أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
569
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
قوله تعالى : لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ : مفعول الأكل هنا محذوف اقتصارا ، أي لوجد منهم هذا الفعل . و « مِنْ فَوْقِهِمْ » متعلق به أي : لأكلوا من الجهتين . وقال أبو البقاء : « إنّ « مِنْ فَوْقِهِمْ » صفة لمفعول محذوف أي : « لأكلوا رزقا كائنا من فوقهم » . وقوله « مِنْهُمْ » خبر مقدم ، و « أُمَّةٌ » مبتدأ ، و « مُقْتَصِدَةٌ » صفتها ، وعلى رأي الأخفش يجوز أن تكون « أُمَّةٌ » فاعلا بالجار . وقوله : « مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ » تنويع في التفصيل ، فأخبر في الجملة الأولى بالجار والمجرور ، ووصف المبتدأ بالاقتصاد ، ووصف المبتدأ في الجملة الثانية ب « مِنْهُمْ » ، وأخبر عنه بجملة قوله : « ساءَ ما يَعْمَلُونَ » ، وذلك لأنّ الطائفة الأولى ممدوحة فوصفوا بالاقتصاد ، وأخبر عنهم بأنهم من جملة أهل الكتاب فإنّ الوصف ألزم من الخبر ، فإنهم إذا أسلموا زال عنهم هذا الاسم ، وأما الطائفة الثانية فإنهم وصفوا بكونهم من أهل الكتاب فإنّ الوصف ألزم وهم كفار فهم منهم ، وأخبر عنهم بالجملة الذّمّيّة فإن الخبر ليس بلازم ، وقد يسلم منهم ناس فيزول عنهم الإخبار بذلك . و « ساءَ » هذه يجوز فيها ثلاثة أوجه : أحدها : أن تكون تعجبا كأنه قيل : ما أسوأ عملهم ، ولم يذكر الزمخشري غير هذا الوجه ، ولكن النحاة لمّا ذكروا صيغ التعجب لم يعدّوا فيها « ساءَ » ، فإن أراد من جهة المعنى لا من [ جهة ] التعجب المبوب له في النحو فقريب . الثاني : أنها بمعنى « بئس » فتدلّ على الذّمّ كقوله تعالى : « ساء مثلا القوم » ، وعلى هذين القولين ف ساءَ » غير منصرفة ، لأن التعجب والمدح والذم لا تتصرّف أفعالهما . الثالث : أن تكون « ساءَ » المنصرفة نحو : ساء يسوء ، ومنه لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ « 1 » سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا « 2 » ، والمتصرفة متعدية ، قال تعالى : لِيَسُوؤُا وُجُوهَكُمْ فأين مفعول هذه ؟ قيل : هو محذوف تقديره : ساء عملهم المؤمنين ، والتي بمعنى « بئس » لا بد لها من مميّز ، وهو هنا محذوف تقديره : ساء عملا الذي كانوا يعملونه والحرب مؤنثة ، وهي في الأصل مصدر ، وقد تقدّم الكلام عليها في البقرة « 3 » . قوله تعالى : يا أَيُّهَا الرَّسُولُ : ناداه بأشرف الصفات البشرية . وقوله : « بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ » وهو قد بلّغ ! ! فأجاب الزمخشري بأن المعنى : جميع ما أنزل إليك ، أي : أيّ شيء أنزل غير مراقب في تبليغه أحدا ولا خائف أن ينالك مكروه » . وأجاب ابن عطية بقريب منه ، قال : « أمر رسوله بالتبليغ على الاستيفاء والكمال ، لأنه كان قد بلّغ » ، وأجاب غيرهما بأنّ المعنى على الديمومة كقوله : يا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ « 4 » يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا « 5 » ، وإنما ذكرت هذا لأنه ينفع في سؤال سيأتي . وقوله : ما يحتمل أن تكون اسمية بمعنى الذي ، ولا يجوز أن تكون نكرة موصوفة لأنه مأمور بتبليغ الجميع كما مرّ ، والنكرة لا تفي بذلك فإن تقديرها : « بلّغ شيئا أنزل إليك » ، وفي « أُنْزِلَ » ضمير مرفوع يعود على ما قام مقام الفاعل ، وتحتمل على بعد أن تكون « ما » مصدرية ، وعلى هذا فلا ضمير في « أُنْزِلَ » لأنّ « ما » المصدرية حرف
--> ( 1 ) سورة الإسراء ، الآية ( 7 ) . ( 2 ) سورة الملك ، الآية ( 27 ) . ( 3 ) سورة البقرة ، الآية ( 279 ) . ( 4 ) سورة الأحزاب ، الآية ( 1 ) . ( 5 ) سورة النساء ، الآية ( 136 ) .